منتديات نور حياتك

إن الناظر في هذه المنتدى سيجد أن الشموع التي أشعلناها موزعة على مجالات عديدة, لكن يجمع بينها استهداف الارتقاء بشخصيات إخواني وأخواتي في العالم العربي, وتقديم العون لهم على سلوك مسالك الرشاد, والتفوق في كل مجلات الحياة .


    ضروب الموازنات 1/2

    شاطر
    avatar
    Your life
    المدير العام على منتديات نور حياتك

    عدد الرسائل : 981
    السٌّمعَة : 0
    نقاط : 101
    تاريخ التسجيل : 15/01/2009

    ضروب الموازنات 1/2

    مُساهمة من طرف Your life في الخميس فبراير 26, 2009 1:26 am

    لفقه الموازنة أنواع متعددة، وضروب مختلفة، وقد تعاقب العلماء على ذكرها إجمالاً وتفصيلاً:
    1- الموازنة بين المصالح عند تعارضها، وعدم إمكان تحصيلها معاً، فيختار الفرد أو المجتمع أرجحها وأفضلها، وقد حكى ابن تيمية الإجماع على أن الشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها وتقليل المفاسد وتعطيلها، فيختار أحسن الحسنتين، وقد روي عن عمرو بن العاص أنه قال: ليس الفقيه من يعرف الخير من الشر، لكن الفقيه مَن يعرف خير الخيرين وشرّ الشرّين.
    إن من الموازنة بين المصالح الاشتغال بالقضايا الكبار التي عليها مدار صلاح الأمة في دينها ودنياها، والاقتصاد في المسائل الفرعية والجزئية والتفصيلية دون إيغال فيها أو إلحاح عليها، فكم سببت من فرقة، وأزالت من وحدة، وصنعت من تحزّب، وأهدرت من أوقات، وعوّقت عما هو أهم منها وألزم.
    وقد تجد المفتي بها يقول: لا مانع، نهتم بهذا وبهذا، وكأنه نسي تعذّر الجمع بين المصالح كلها، وأن الوقت والقوة العقلية والنفسية والبدنية لا تسعف بمثل هذا، تقبل أنه يوجد في قرن ما حول مسائل فرعية ما يستوعب المسألة ويستقصيها، ولتكن مثلاً الصلاة في النعل، لكن أن يكون هذا البحث ذاته يُعاد إنتاجه وطرْقه وتحريره وعرضه، والجدل حوله والخلاف، ويكون مثاراً للفرقة والتصنيف، ومعياراً للاتّباع، ويطغى حتى على روح الصلاة ولبّها وهو الخشوع، فتتحوّل العبادة إلى أداة للمنافرة والتغاير والاقتتال والشحن، فهذا يعود على الأصل المقصود بالإضعاف، والله المستعان.
    2- الموازنة بين المفاسد إذا لم يمكن دفعها جميعاً، فيُدفع أعلاها بارتكاب أخفها، وارتكاب أخفّ الضّررين حينئذٍ لا يكون منهياً عنه، بل مباحاً أو واجباً، وقد علم الله أن الفساد يقع في أحوال الناس كثيراً، حتى في العصور الفاضلة، وأوقات الرسالة، وأن المرء قد يكون أمام خيارات كلها سيئة في موقف ما، فالرشد حينئذٍ أن يختار أخفّها دفعاً لأعلاها وهذه أدنى المفسدتين، أو أقل الشرّين.
    ويقع هذا في أمور العبادات والطهارات، والمعاملات، والعلاقات مع الصديق ومع العدو، فإن الحياة الإنسانية تتفاوت في القوة والضعف، والصحة والمرض، والغنى والفقر، والجوع والشِّبع، وقد يصل المرء فرداً أو يصل المجتمع إلى حالٍ من الضرورة.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية، والمفسدة الشرعية؛ فقد يدع واجبات، ويفعل محرّمات، ويرى ذلك من الورع، كمن يدع الجمعة والجماعات خلف الأئمة الذين فيهم بدعة، أو فجور، ويرى ذلك من الورع، ويمتنع من قبول شهادة الصّادق، وأخذ علم العالم لما في صاحبه من بدعة خفيفة، ويرى ترك قبول سماع هذا الحقّ الذي يجب سماعه من الورع".
    وإذا كانت الضرورة الحسية ظاهرة كأكل لحم الميتة، وهو خير من الموت جوعاً، فإن ثمة ضرورات معنوية ينبغي مراعاتها وبحثها لترشيد المسيرة الإسلامية.
    وقد ذكر ابن القيم مثالاً لذلك، وهو التقليد وأخذ قول الفقيه أو العالم بدون حجة، واعتبره جائزاً عند الضرورة كأكل لحم الميتة.
    وربما غلب هذا الأمر الطارئ حتى صار شيئاً مستقراً عند عامة الناس لا يقدرون على غيره ولا يطيقون سواه.
    وكم من المسائل التي أصبحت في حكم الضرورة في حياة الناس اليوم بسبب متغيرات العصر، فنحتاج إلى أن يتفطن لها الفقهاء ويولوها حقها من البحث، ولعل من ذلك وسائل الإعلام المختلفة المقروءة أو المسموعة أو المرئية، وكيفية التعاطي معها، وإنزال الأحكام عليها.
    وكأن هذه القاعدة تتحدث عما يسميه المحللون: أقل الخسائر!
    3- الموازنة بين المصالح والمفاسد، بمعنى ألاّ يمكن تحصيل مصلحة بمفسدة تقارنها، أو لا يمكن دفع مفسدة إلاّ بمصلحة تفوت بدفعها، وحينئذٍ يظن البعض أن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذا ليس بسديد، وإنما القاعدة هي رعاية الأعظم منهما، فإذا كانت المصلحة أعظم وجب تحصيلها ولو بمفسدة أخفّ، وإذا كانت المفسدة أعظم وجب دفعها ولو بفوات مصلحة أقلّ.
    وإنما يكون دفع المفسدة مقدّماً على جلب المصلحة إذا كانتا متساويتين في نظر الفقيه أو المكلف، وإلاّ فإن من المعلوم أن المصالح لا تخلو من مفاسد مغمورة غالباً، ولكن لا يُلتفت إليها؛ لأن الميزان يقتضي رجحان المصلحة.
    وفي هذه القاعدة تحويل الأزمات إلى فرص، بالسعي الجاد لتعظيم المصالح وحسن استثمارها، وعزل المفاسد ومحاصرتها، ومن ذلك استحقاقات العولمة في جوانبها الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، فإن الجهد البشري الصادق قادر -بإذن الله وعونه- على تعظيم المصالح ورعايتها ودعمها، والاجتماع عليها، وحصار المفاسد وملاحقتها، خاصة إذا استطاع القادرون وأصحاب النفوذ وقادة الفكر والرأي توحيد مواقفهم، وتنسيق جهودهم، وتفعيل التعاون بينهم في المجالات المختلفة.
    ومثل ذلك الحروب والمشكلات والأزمات، كما وقع في حرب الخليج الأولى والثانية، وكما يتخوّف الناس من حرب ثالثة تلقي بالمنطقة في أتون صراع عنيف لا يستثني شيئاً، فإن رعاية الموازنة بين المصلحة والمفسدة تبدو شيئاً ضرورياً.
    ولا شيء يعدل السلامة من الحرب؛ فالعقلاء يثمنون فترة السلام، وما تثمره من استقرار للنفوس، ونماء للاقتصاد، واستعداد للنهوض، وتطوير للأداء، وتوجّه نحو خطط البناء والتنمية في المجتمعات، ولذا فالواجب عليهم أن يتحالفوا ضد الحرب، وأن يوصلوا صوتهم إلى القوى المؤثرة في الفرق المتصارعة، ويحاولوا ألاّ يستفرد أهل الحماسة الرعناء بالقرار الذي سيصل أثره إلى الجميع.
    وإذا غلبوا ووقعت الواقعة جاء دور رعاية الموازنة في التكيّف والتعامل مع الحدث الطارئ، وفق قواعد المصلحة والمفسدة.
    ومن الموازنة بين المصالح والمفاسد توسّط النظر، وتعميق الإيجابية بدلاً من الاعتياد على النظرة السلبية للأشياء والأحداث والمتغيرات.
    وكأن بعض الخلق اعتادوا على ما هو موجود وقائم وصار عندهم بمثابة الأصل المُسَلّم به، وصار كل طارئ عليه مذموماً، واعتاد الناس إذا قارنوا الأمس باليوم أن يمتدحوا الأمس، ويذموا اليوم، ويتخوفوا من الغد!
    إن القراءة السليمة للأحداث والأوضاع تخفف من احتدام الضغط النفسي عند الإنسان، وتبعد عنه الروح الغضبية، وتجعله أكثر قدرة على استيعاب الواقع وفهمه، والتعامل الصادق معه.
    ثمة أشياء يمكن أن تنظر إليها بتشاؤم، وكأنها نهاية التاريخ، وتكتفي بالحوقلة والاسترجاع، ولو أننا سمحنا للأمل والاعتدال والتفاؤل أن يهب على صدورنا، وأن يتخلل عقولنا لوجدنا فيها جوانب عديدة من الخير.
    حتى المصائب التي لا يد للمرء في دفعها يمكن أن يُنظر إليها بنظرة التفاؤل ويُستحضر حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) رواه مسلم.
    حين تنظر إلى امتزاج المسلمين بغيرهم تجد أثراً سلبياً – ولابد - مما أخذوه عنهم من انحراف في السلوك أو الخلق، أو ما شابه، ولكن يجب ألاّ تتوقف النظرة عند هذا الحد، فانظر إلى ما أفاده المسلمون للآخرين من إيمان أو دعوة أو تأثير أو تشكيك في بعض مسلّماتهم، أو ما استفادوه من علم وضبط وإتقان وتجويد مما هو من مصالح الحياة الدنيا.
    وحين تنظر إلى أزمة أو كارثة أو حرب، وتكتفي بأثرها السلبي تكون قرأت وجهاً واحداً، هو –فعلاً- مؤذٍ ومرٌّ ومثيرٌ للأحزان.
    فلِمَ لا تداوي هذا الحزن بجرعة من التفاؤل تستطلع بعض إيجابيات الأزمة وآثارها البعيدة، والتي هي جزء من مفهوم الحكمة الإلهية؟!
    فليكن إيمانك بحكمة الله وعدله ورحمته أعظم من إيمانك بنظرتك وتحليلك وموقفك، فتبارك الله الخالق الحكيم الرحيم.
    4- الواجب الأصلي والواجب الظرفي، وهذا يخضع للموازنة، فثمة واجبات شرعية يحول دونها ما هو أوجب منها، أو يحول دونها مفسدة أعظم منها، فتصبح بهذا غير واجبة.
    ومن ذلك ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء الكعبة على قواعد إبراهيم خشية أن تنكر قلوب قريش آنذاك، ولا يزال الأمر إلى اليوم على ما هو عليه، مما يدل على أن بعض الواجبات قد لا يتحقق أبداً.
    وكذا ترك قتل عبد الله بن أبيّ وبعض المنافقين، خاصةً الذين ظهر نفاقهم، وثبتت إدانتهم، واعتذر صلى الله عليه وسلم عن قتلهم؛ خشيةَ أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه.
    وهذا معناه التيقّظ للحملات الإعلامية، وأنه ليس من الضعف أو الهزيمة تجنّب ما يكون ذريعةً لحملات تطال الإسلام وأهله أو بعضهم، بل هذا عين الحكمة والصواب.

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين يناير 21, 2019 5:20 pm